eve

متى تصبح النظافة زائدةً عن الحدّ؟ ومتى تكون «القذارة» مقبولة؟

منذ نحو عقدين، بدأت شركات الصابون بطرح خطوط إنتاج لصوابين قادرة على القضاء على الجراثيم. بعدها بحوالي 10 سنوات، بدأت ثقافة المعقمات أو الـ hand sanitizer تنتشر بين الناس، سيما مع ظهور بعض الأمراض المعدية مثل إنفلونزا الطيور، وإنفلونزا الخنازير.

كما تناقش البرامج الصحية والطبية على شاشات التلفزيون أهمية النظافة الشخصية والنظافة العامة، وتؤكد دائماً على ضرورة الاستحمام باستمرار والتأكد من نظافة اليدين والمستلزمات التي يستخدمها الإنسان بشكلٍ يومي، وتحذر من عدم تنظيف أجهزة الجوال ولوحات مفاتيح الكومبيوتر من الجراثيم بشكلٍ دوري.

في المقابل، تشير بعض التقارير العلمية إلى أن الإفراط في النظافة قد يؤثر على مناعة الإنسان، ويجعله عرضةً للأمراض نتيجةً لعدم تعرضه للفيروسات والجراثيم، ناهيك عن الأمراض الجلدية التي قد تنشأ عن غياب الجراثيم والبكتيريا تماماً عن سطح جلده.

السؤال هنا: ما هي حدود النظافة؟ ما هو الحدّ الفاصل بين الإفراط والتفريط بها؟! متى يتحول الإنسان إلى إنسانٍ قذر (علمياً وطبياً)، ومتى تحوّله عاداته إلى فريسة سهلة للأمراض؟ ما هي القواعد التي يجب علينا أن نتبعها؟ وما هي المنتجات التي يجب علينا تجنبها؟ هل نستحم يومياً؟ هل نستخدم الصوابين القاتلة للبكتيريا والجراثيم والمنتجات الشبيهة لديتول؟ هل نستخدم الـ hand sanitizer؟ هل يؤثر الوضوء على صحتنا إيجاباً أو سلباً؟ ماذا عن الأدوات التي نستخدمها من حولنا؟

للإجابة على هذا السؤال المحير، يتوجب علينا أنا نفهم قصة مهمة تجري في أجسادنا كل يوم دون أن نعيرها الاهتمام الواجب. بدايةََ، لا بد أن نسأل علم الأحياء الدقيقة الطبي (clinical microbiology)، وهو علم يجمع بين علوم الطب والأحياء الدقيقة، أي الكائنات التي لا نراها بالعين المجردة، والتي تسبب لنا الأمراض. ولكن، هل تسبب كلها فعلا لنا الأمراض؟

إليك خبراً مهماً ربما يكون صادماً: ما نراه من الإنسان بالعين المجردة، من خارج الجسم و داخله، هو فقط 10% من خلايا جسم البشر، والباقي – أي 90% من خلايانا -، عبارة عن خلايا أصغر حجماً من خلايا البشر بكثير، ولذلك لا نراها بالعين.

بالأرقام: جسمنا يتكون من حوالي مئة تريليون خلية 100,000,000,000,000، يعني 100 ألف مليار، أو 100 ألف ألف مليون.

فقط 10% من هذا العدد، يعني فقط عشرة تريليونات خلية، يتكون من خلايانا البشرية. أما الباقي فهو بصورة رئيسية: خلايا بكتيرية! نعم، أنت في الحقيقة 90% بكتيريا، و 10% إنسان! ومع أن خلايا الإنسان أقل عددا في جسمنا، ولكنها أكبر حجما وأثقل وزنا، ولهذا فخلايا البكتيريا في جسمك – مع كثرة عددها – تمثل فقط 1-3% من كتلتك، أي حوالي 1-3 كيلوجرام من وزنك.

لو أن جسد الإنسان يعمل مثل دولة ديمقراطية بحق، فستكون القرارات المصيرية فيه دائما للأغلبية البكتيرية. ولذلك، فإذا رغبت في التعرف على جسمك، فعليك أن تدرس البكتيريا فيه بصورة رئيسية، بنفس اهتمامك بخلايا وأنسجة وأعضاء وأجهزة جسمك التي هي من خلايا بشرية. أما إذا عشت حياتك بحسب رأي الأقلية الديكتاتورية، التي لا تهتم إطلاقا بوجود الأغلبية، فستكون دولتك دائما في مشاكل واضطرابات صحية: عضوية و نفسية.

إلى جانب البكتيريا، فهناك كائنات دقيقة أخرى تعيش معنا مثل الفيروسات والفطريات والديدان وحشرات متناهية الصغر.

وهناك خبر آخر: 90% من هذه البكتيريا التي تعيش فيك، أو بصورة أدق «تكوّنك»، تتركز في الأمعاء، وبالذات الغليظة منها، أي القولون، ولها الدور الأهم في تنظيم عمليات حيوية عديدة، بدونها لا تستطيع الحياة بصورة طبيعية، وربما سببت لك مشاكل صحية خطيرة تهدد حياتك. هناك أيضا بكتيريا على جلدك وفي فمك وحنجرتك وفي الأعضاء التناسلية وأماكن أخرى من الجسم.

في ضوء المعلومات أعلاه، إذا قلنا أننا نريد قتل البكتيريا التي تعيش في جسمنا لنصبح أصحاء، فهل هذا كلام صحيح؟ هل المقصود أن نقتل 90% من خلايا جسمنا؟

لابد أن نتعمق في الموضوع أكثر من ذلك حتى نجيب على السؤال.

كما أن البشر مختلفون في الأشكال والطباع والخصائص البيولوجية، فإن البكتيريا التي تعيش معنا – في محيطنا أو في وعلى أجسامنا – لها أنواع بخصائص مختلفة، بل أن هناك دليل علمي على أن اختلاف طباع وصفات البشر ينبع بصورة رئيسية من تباين أنواع البكتيريا التي تسكن أجسادهم.

والبكتيريا لها من طباع البشر أيضا، فمنها الطيب المفيد ومنها الخبيث الضار. هناك تصنيفات عدة للبكتيريا سأختار منها التصنيف المناسب لهذا السياق: البكتيريا ذات الأهمية لنا هي ثلاثة أنواع:

  • بكتيريا مفيدة ومهمة لصحتنا وتتعايش معنا بسلام بل وتدافع عنا ضد البكتيريا الضارة.
  • بكتيريا انتهازية، تلزم حدودها عندما تكون صحتنا قوية، لكن إذا ضعف الجهاز المناعي تنشط وتسبب الأمراض.
  • بكتيريا ضارة، لها أنواع مختلفة، منها الذي يبث سموما في الجسم حتى بعد قتلها.

الآن لدينا معضلة؛ عندنا أدوية وأهمها المضادات الحيوية وصابونات التعقيم، وهي طبعاً تقتل البكتيريا بدرجات مختلفة، لكنها لا تستطيع تمييز الضار من النافع، فهي تدخل الجسم كقنبلة تقتل المجرم والبريء من البكتيريا.

فما العمل إذاً؟ هل هو جيد فعلاً أن نقتل البكتيريا بصابون معقم وقاتل لـ 99% منها؟ أم من الأفضل أن نخترع حيلة أخرى؟ مثلا أن نجعل البكتيريا الصديقة أكثر قوة وقدرة على الفتك بالبكتيريا الضارة بنفسها، مع مد يد العون بأدوية في حالات الضرورة القصوى فقط؟

أليس الاختيار الثاني هو الأفضل؟ إذا كنت توافقني فتعال نعرف كيف: تقوية البكتيريا المفيدة تكون بتوفير البيئة و التغذية المثلى لها: فمثلا بكتيريا الجلد تحتاج بيئة حمضية، فمن الأفضل ألا نفتك بها بكميات هائلة من الصابون لأنه قلوي، وبالذات الصابون المضاف له مواد قاتلة للبكتيريا، فهو فعلا ضرره أكثر من نفعه.

يكفي استعمال صابون عادي بكمية قليلة، ويمكن لمحبي الكمال شطف الجسم بمياه بها عصير ليمون لأنه حمضي ويجعل الجلد في أفضل حالاته المناعية (مع تجنب العيون طبعا). وأما بكتيريا القولون فتحتاج منا التغذية المناسبة لها، ويكون ذلك بتناول أطعمة نسميها: البريبايوتيك (وهي تختلف عن البروبايوتيك).

البريبايوتيك هي فواكه وخضروات ومكسرات تساعد على نمو البكتيريا المفيد، والبروبايوتيك هي بكتيريا مفيدة أتوا بها من مكان آخر ووضعوها في علبة، وهي في أغلب الأحيان ليست البكتيريا التي تحتاجها أنت تحديدا، ولذلك فإن البريبايوتيك أهم وأفيد لك من البروبايوتيك. ثم عليك أن تمتنع تماما عن استخدام المضادات الحيوية. هذه أسلحة فتاكة يجب ألا تخرج إلا في حال تعرض حياتك للخطر بسبب عدوى بكتيرية، وهذا غالبا لن يحدث مادمت مهتما بتغذية صحية تكفي للبكتيريا الصديقة أن تدافع عنك.

الآن وقد انتهينا من عرض قصير لأهم رفقاء الجسد، أخوتنا البكتيريا، وجب أن نذكر باقي سكانه ولو على عجالة، فهناك الفيروسات التي هي ضعيفة جدا خارج الجسد، وتقوى وتستقوى علينا عندما يحدث أمر من اثنين: أن تضعف مناعتنا، أو أن نغذيها بما تحب من أغذية. تضعف مناعتنا بسبب قلة النوم والضغط العصبي وقلة الحركة والطعام غير الصحي وقلة التعرض للشمس، وتقوى الفيروسات إذا تناولنا أطعمة غنية بالبروتين الحيواني من ألبان ولحوم وبيض. إذا فمن الأفضل لمناعتنا لمنع الإصابة بالفيروسات أن نقوي جهازنا المناعي بأسلوب حياة صحي، وأن نقلل من أكل المنتجات الحيوانية، إلى جانب زيادة التعرض الصحي للشمس.

ثم إلى جانب البكتيريا والفيروسات، هناك الفطريات، وهي في الحقيقة شجرات صغيرة جدا، تنمو كما تنمو النباتات.. يعني تحتاج الرطوبة وتغذية بها سكريات وقليلة الحموضة.

ولذلك فإننا إذا أكلنا سكريات بكثرة، أو أكثرنا من استعمال الصابون (القلوي)، أو بالغنا في غسل الجسم ونكرر العملية أكثر من مرة يوميا ويظل جلدنا رطبا، يزيد تكاثر الفطريات و نزيد من فرص الإصابة بالالتهابات الفطرية. ولذلك فمن الأفضل للوقاية من الالتهابات الفطرية أن نهتم بتغذية صحية، نستعمل الصابون في أقل الحدود بالذات في ثنيات الجسم والمنطقة التناسلية، وأن نهتم بتجفيف الجسم جيدا بعد الغسل بالماء، بالذات في المناطق التي بها ثنيات كاليدين والقدمين والأبطين وبين الفخذين.

الآن أتوقع أن نستطيع القول بثقة أننا يمكننا تعقيم أدواتنا المشتركة كألواح الكومبيوتر وجهاز التحكم عن بعد للتلفزيون، ولكننا لا يمكننا تعقيم يدينا.

السؤال إذن: لماذا أتوا لنا بالصابون المعقم من الأصل، ومتى نستعمله؟ هناك أسباب عدة لوجوده، منها أننا لم نكن نعرف كما نعرف الآن عن البكتيريا في أجسامنا، وأيضا لأن بعض المرضى من ضعاف المناعة قد يحتاجونه، ولكن الأغلبية الساحقة من الناس، لا يجب أن تستخدمه.

خلاصة القول: نم كفاية، كل صحيا، مارس الرياضة، احتفظ بشجرة في منزلك، واترك الباقي على جسمك وشركاه ليحموك من الأمراض.

مع تمنياتي لك بالصحة والعافية.

إغلاق