eve

التعاطف قد يساعدنا في التحكُّم بالألم.. لكن هل الألم الجسدي مجرّد وهم في عقلك؟

لن يفاجئك هذا السؤال عن الألم، إذا عرفت أنّ أمريكا تستخدم ثلث المواد الأفيونية في العالم، وعلى الرغم من ذلك، لا يزال خُمس الأمريكيين يقولون إنَّهم يُعانون من آلامٍ مزمنة.

فالضرر الكارثي هو الأثر الواضح للعقاقير الطبية المنتشرة على مدى عقدين، والتي تحتوي في تركيبتها على مواد أفيونية.

إذ سُجلت حالات وفاة لأشخاص أمريكيين تفوق 47 ألف حالة من جرّاء تناول جرعات زائدة من المواد الأفيونية في عام 2017، ومئات الآلاف من الحالات المدمنة عليها، وأُفيدَ مؤخراً، وللمرة الأولى، بأنَّ الأمريكيين كانوا أكثر عُرضة للموت بسبب المواد الأفيونية مقارنةً بحوادث السير.

ألزم هذا الأمر الكثيرينَ بالتراجع قليلاً والتأمل في طبيعة الألم ذاته لفهم أفضل السبل لتخفيفه.  فقد اعتبر اليونانيون القدماء أن الألم خبرة انفعالية، أي عاطفة أو شعور وليس إحساساً كاللمس أو الشم.

فخلال العصور المُظلمة في أوروبا، كان يُنظر إلى الألم باعتباره عقاباً على ارتكاب الخطايا، أي تجربة روحية وعاطفية تخف حدَّة أثرها بالصلوات عوضاً عن الوصفات والعقاقير الطبية.

أمّا في القرن التاسع عشر، فقد أدَّت علمنة المجتمع الغربي إلى علمنة الألم كذلك؛ فلم يعد يُعتَبَر حالةً انفعالية يتوجَّب احتمالها، بل أصبح يُمثِّل إحساساً ينبغي التخلُّص منه.

وقد بلغ مفهوم الألم باعتباره ظاهرة جسدية بحتة ذروته في التسعينيات، حين نجحت المنظمات الطبية مثل الجمعية الأمريكية لعلاج الألم المزمن ووزارة شؤون المحاربين القدامي في تشخيص الألم باعتباره «علامة خامسة من العلامات الحيوية»، إلى جانب ضغط الدم، ودرجة حرارة الجسم، والتنفس، ومعدل ضربات القلب.

تزامن هذا مع انتشار المواد الأفيونية طويلة المفعول مثل مُسكن الأوكسيكودون. واعتقد الأطباء أنَّ بحوزتهم الآن علاجاً فعالاً لآلام ومعاناة مرضاهم.

 كيف تخفف المواد الأفيونية الألم؟

تساعد المواد الأفيونية في علاج العديد من المرضى ممن يُعانون آلاماً حادة من جراء الإصابات أو العمليات الجراحية أو حالاتٍ أخرى مثل السرطان، لكن من الواضح أنَّ استخدام تلك المواد لعلاج الألم المزمن، كآلام الظهر، والركب المُصابة، وما شابه ذلك، هو ما قد يعتبر أسوأ خطأ طبي في عصرنا الحديث.

تُشير الأبحاث التي أجربت على مدى عقود إلى أنَّ المواد الأفيونية قليلة الفائدة أو غير مُجدية في تسكين الآلام المزمنة غير السرطانية.

كذلك أظهرت إحدى التجارب العشوائية الحديثة على الأشخاص الذين يعانون من آلام المفاصل والظهر المزمنة أنَّ المرضى الذين يستخدمون المواد الأفيونية عانوا من ألمٍ شديد بعض الشيء مقارنةً بأولئك ممن لم يستخدموا عقاقير مثل باراسيتامول ودواء إيبوبروفين.

ما تفسير هذا؟ أظهرت الدراسات أنَّ المواد الأفيونية يُمكن أن تحدّ من عتبات الألم لدى المرضى (أي النقطة التي يبدأ عندها الشعور بالألم). وبإمكانها كذلك أن تؤدِّي إلى حالة تُسمى شدة الألم الناجم عن تناول المواد الأفيونية، إذ يتزايد شعور الناس بالألم شيئاً فشيئاً عند البدء في تناول جرعات أعلى من المواد الأفيونية.

لقد خذلنا بشكلٍ جلي التفكير التقليدي في الألم باعتباره حافزاً بدنياً بحتاً، وربما عرف اليونانيون القدماء شيئاً نجهله.

هل الألم مجرّد أوهام في عقلك؟

وفي حين يشيع استخدام تعبير أن المعاناة والألم «كلها أوهامٌ في رأسك» بهدف تقليل معاناة وآلام الآخرين، إلا أنَّ العقل يلعب دوراً محورياً في تجربة الألم. فبعد أن تصل إشارة الشعور بالألم إلى الدماغ، فإنها تخضع بدورها إلى عملية إعادة معالجة مهمة.

يُمكن أن يختلف قدر ما يُسبب لك الشعور بالألم وفقاً لعوامل تتمثَّل في توقعاتك وحالتك المزاجية ومدى تشتتك.

فعلى سبيل المثال مجرد رؤية شخص آخر يتألّم يُمكن أن يجعلك تشعر بالسوء كذلك. ثبتت صحة تلك الظاهرة من خلال دراساتٍ أُجريت على كل من القوارض والبشر. أي إنَّ الألم مُعدٍ وينتقل من شخصٍ لآخر.

وكذلك ثمة علاقة قوية للغاية تربط بين الألم والصحة العقلية. فالحالات المصابة بالاكتئاب أو مرض القلق تزيد لديها فرص الشعور بالألم المزمن، في حين أنَّ المرضى الذين يعايشون ألماً ما معرَّضون لخطر الإصابة بالاكتئاب أو القلق.

إنَّ هذه الحلقة المُفرغة تنتج جزئياً عن حقيقة أنَّ ثمة تداخلاً كبيراً في مناطق الدماغ التي تتعامل مع الألم والعاطفة. تأتي بعض الأدلة الإضافية بشأن الحد الفاصل غير الواضح بين الإحساس والإدراك من الرفيق المُروع للألم، وهو الحكة.

قد يبدو الإحساس بالحكة، والذي تستشعره بعض مستقبلات الجلد نفسها المسؤولة عن الشعور بالألم، وكأنه ظاهرة جسدية بحتة، لكنه ليس كذلك. فمجرد رؤية شخص آخر يحك جلده، أو تخيل الشعور بالدغدغة، يُمكن أن يجعلك تشعر بالرغبة في حك جلدك كذلك.

ومثل الألم تماماً، يُمكن تخفيف حدة هذا الشعور من خلال التشتيت والإلهاء، فضلاً عن كون هذا الشعور، مثل شعور الألم، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمسائل الصحة العقلية، كالاكتئاب والوسواس القهري.

كل هذا لا يعني أنَّه ليس ثمة عنصر مادي أو جسدي لهذه المشاعر؛ فعلى نحوٍ موضوعي، لا شك أنَّ الأمراض والإصابات الجسدية يُمكن أن تُسبب معاناة شديدة. لكن السؤال هو حدَّة تلك المعاناة، وإلى أي مدى تستمر؟

أظهر بحثٌ أجرى مؤخراً أنَّ الحساسية تجاه الألم تختلف اختلافاً جماً بين الأشخاص، ويُعزى سبب الاختلاف على الأرجح إلى الاختلافات الجينية. ثمة الكثير مما لا نزال نجهله بشأن البيولوجيا الأساسية المتعلقة بالألم، وهو ما يلزم تغييره.

في الوقت الراهن، ثمة الكثير مما يُمكننا فعله للتصدي لانتشار الألم. فبعد أن شوَّشت صناعة الأدوية رؤيتنا لفترةٍ طال أمدها، كُشِفَ للتو في وثائق وملفات المحكمة في أمريكا أنَّ شركات العقاقير والأدوية قلَّلت إلى حدٍّ كبير من مخاطر المواد الأفيونية، في حين تُنفق مليارات الدولارات في حملات التسويق التي تُخبر الناس أنَّ الحبوب العلاجية هي الحل الوحيد لأمراضهم.

ثمّة حاجة مُلحّة لزيادة التمويل لإجراء الأبحاث المُتعلقة بالاستراتيجيات التي لا تنطوي على تناول المزيد من العقاقير المخدرة فحسب. فليس بالضرورة كل شخص يُعاني من ألم شديد يعايش حالة ألم مزمن. فنحن بحاجة إلى معرفة المزيد حول التدخلات العلاجية التي تحول دون هذا التحول.

ينبغي مواصلة التركيز على التحكُّم في الألم في التعليم الطبي، وكذلك ينبغي تعليم أطباء المستقبل أنَّ الألم هو جزءٌ من قصة المريض الذي يعاني منه، وليس مجرد ظاهرة جسدية مُنفصلة. غير أنَّه ينبغي أن يشمل هذا التعليم طرقاً لتجنب وصف المواد الأفيونية للتعاطي المزمن.

وقد انخفضت معدلات وصف المواد الأفيونية بالفعل منذ عام 2012 في الولايات المتحدة. ولكن لا يزال الطريق طويلاً أمامنا؛ إذ تُشكل المواد الأفيونية الموصوفة لكل شخص نسبة أعلى بثلاث مرات مما كانت عليه قبل 20 عاماً.

ولعل الأداة الأهم التي يحتاجها الأطباء في التحكم في الألم هي التعاطف.

إن كان الألم المزمن هو عاطفة أو شعوراً إلى جانب كونه إحساساً ملموساً، فمن غير المرجح إذاً أن يتمكن الأطباء من التحكم به دون إبداء مشاعر الرأفة والتعاطف.

إذ خلصت دراسة أجريت عام 2017 على أطباء في إسبانيا إلى أنَّ أولئك الذين صنَّفهم مرضاهم بوصفهم متعاطفين مع حالتهم كانوا هم الأكثر فعالية في تخفيف آلام المرضى.

وهكذا وُجِدَ أنَّ العلاج الطبيعي الذي لا يُعالج المفاصل فحسب، ويتناول كذلك السياق الذي تجسَّد فيه الألم، بل يحث على التفاؤل ويبني القدرة على التكيف العاطفي هو الأكثر فعالية.

من شأن كل هذا أن يستغرق وقتاً واهتماماً أكثر من مجرد وصف الحبوب العلاجية، ومن المؤسف أنَّ نظامنا الصحي يدفع الأطباء إلى رؤية أكبر عدد ممكن من المرضى في أسرع وقتٍ ممكن.

نحن بحاجة إلى تغيير الطريقة التي يتقاضى بها الأطباء أجورهم بهدف منحهم الوقت الكافي للتحدث مع المرضى بشأن آلامهم.

ينهي الكاتب موضوعه بحكاية قصة خاصة له مع الألم؛ فقد عانى من انزلاق في فقرات ظهرية. وعندها أصبح الألم رفيقه الدائم: كان هو آخر شيء يشعر به قبل الخلود إلى النوم، وأول ما يشعر به حين يستيقظ.

لم يكن يستطيع مغادرة فراشه، كان يبدو على ما يرامٍ خارجياً، لكنَّه كان في حالةٍ يُرثى لها من الداخل، فقد كان حينها مُصراً على تجنُّب تناول المسكنات، وبالأخص المواد الأفيونية.

يكمل الكاتب: «لم يكن لدىّ أي فكرة بشأن العلم الذي سيظهر خلال السنوات القليلة القادمة، فقط شعرت حينها أنَّ الألم هو الطريقة التي يخبرني بها جسدي بأنَّ هناك خطباً ما، ولم أكن أرغب في إسكات هذا الصوت بعلاجٍ مؤقت».

ما ساعد الكاتب على التخلُّص من «عذاب الألم» بعد قرابة العام هو العلاج الطبيعي الدقيق الذي أعاد تشكيل عموده الفقري بالطبع، لكن أيضاً ما ساعده كان لُطف أصدقائه وعائلته وزوجته المستقبلية.

حين يعايش شخص ما ألماً مزمناً، فليس ثمة وسيلة لتقدير هذا الألم؛ لا فحوصات دم تؤكد، ولا يمكن طلب فحوصات تصوير. كل ما يتطلبه الأمر هو أن يُمارس الأطباء دورهم العلاجي بالطريقة التي كان عليها الطب قبل اكتشاف المورفين بفترةٍ طويلة.

خلاصة القول إنَّ هذه الطريقة العلاجية ثُمثِّل أنقى التدخلات الطبية، وتُعد كذلك فرصة، إن لم تكن في التخلص من الألم، فهي فرصة للتعافي.

اقتراح تصحيح

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق