max

مجانين Game of Thrones يهدِّدون تاريخ مدينة دوبروفنيك الكرواتية.. ليست الوحيدة التي تشتكي «سذاجة» السيّاح

«هذه الجدران لم تبنَ من أجل مسلسل Game of Thrones بل إنها تعود للقرن الـ 13 الميلادي». لم يكن هذا سوى ردٌّ من مرشدة سياحية في مدينة دوبروفنيك الكرواتية على أحد الأسئلة الساذجة التي طرحها أحد معجبي Game of Thrones، فهم يظنون أن التاريخ بدأ مع مسلسلهم المفضل.

لكن هذه ليست المشكلة الوحيدة التي يسببونها لمدينة دوبروفنيك الكرواتية التي تم تصوير مسلسل Game of Thrones بها، حسب تقرير لصحيفة The New York Times الأميركية.

جيش من المتيّمين يُهدد ما أعجبهم

«الشتاء قادم!»، هذا التحذير الذي يطلق في Game of Thrones، لا يثير الجزع أو الخوف لدى كاتيا سيريف.

تقول سيريف، «يشعرني هذا بالارتياح، هذا يعني أن بمقدوري الحصول على استراحة»، بينما كانت لا تزال ترتدي فستانها الأزرق، زي إحدى الشخصيات المتنافسة لحكم الممالك السبع Seven Kingdoms في مسلسل Game of Thrones، بعد يومٍ منهكٍ من إرشادها لسياحٍ في جولة أخرى قاصدة مواقع تصوير المسلسل في المدينة.

كل صيف، تزحف الجحافل إلى مدينة دوبروفنيك، الجوهرة الكرواتية الواقعة على البحر الأدرياتيكي.

يجذب الحشودَ الجمالُ الساحرُ نفسه الذي لطالما أعجب كشَّافي المواقع في هوليوود، مثل هؤلاء الذين اختاروا المدينة موقع تصوير عاصمة الممالك السبع King’s Landing في مسلسل Game of Thrones، المسلسل الضخم الذي تبثه شبكة HBO الأميركية.

لكن الجيش الغازي السنوي من السائحين حاملي عصا السيلفي يهددون ما جذبهم في البداية؛ ففي نهاية المطاف يصعُّب الشعور بالعظمة المهيبة لهذا المكان حين تكون محشوراً لدخول المدينة فقط في طابور لا نهاية له.

ليست دوبروفنيك وحدها المهددة.. بل برشلونة وفينيسياً أيضاً!

في السنوات الأخيرة تضخمت الحشود «بصورةٍ سيئةٍ» إلى حدَّ أن دوبروفنيك في يوليو/تموز صارت مرادفاً لكلمة «سياحة زائدة«، وهو مأزق يتشاركه عددٌ من أجمل الأماكن في العالم.

بدءاً من جادات برشلونة في إسبانيا وصولاً إلى ممرات فينيسيا، يصارع المسؤولون المحليون للتعامل مع مشكلة مماثلة: أن تكون محبوباً إلى حد الموت.

وفضلاً عن الزحام، تتضمن شكاوى سكان المناطق السياحية الأكثر ازدحاماً ورواجاً التأثير المنعكس على سوق العقارات المحلي ومخاوف من الزوار الوقحين.

ومن المرجح أن يتزايد الغضب المحلي بوتيرة سريعة مع ارتفاع عدد المسافرين. وقدرت منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة أن العام 2030 سيشهد 1.8 مليار رحلة دولية مرتبطة بالسياحة مقابل 1.2 مليار في عام 2016.

بدأ مسؤولو مدينة دوبروفنيك في العمل على إبعاد الحشود.

الحرب بدأت ضد الباعة الجائلين والرحلات البحرية

هذا الصيف اتخذ المسؤولون إجراءات صارمة ضد الباعة الجائلين، وحددوا عدد طاولات المطاعم الخارجية التي تزحم الأزقة القديمة، والأكثر أهمية أنهم سعوا للتحكم بصورة أكبر في عدد سفن الرحلات البحرية التي تحمل «فيضانات» من الركاب إلى المدينة القديمة، وهي إحدى المواقع المدرجة في قائمة اليونسكو للتراث العالمي.

هذا العام، حددت المدينة عدد الأشخاص الذين يمكنهم مغادرة سفن الرحلات البحرية في وقت محدد لتطأ أقدامهم المدينة. في الصيف المقبل ستكون المرة الأولى التي تواجه فيها سفن الرحلات البحرية قيوداً على الوقت الذي يسمح لهم فيه بالرسو في ميناء منذ بدأوا دخول الميناء قبل ما يقرب من عقدين.

ولكن هذا لا يعني أنهم يريدون طرد السياح

إنها محاولة لإيجاد التوازن المناسب بين الترحيب بالسياح وأموالهم دون أن يكدسوا المدينة.

وقال ماتو فرانكوفيتش، عمدة دوبروفنيك: «لا يوجد حل فريد لكل وجهة، لكن يجب أن يبدأ الحل بالاعتراف بالمشكلة».

ومثلما لا يوجد حل قائم بذاته، لا يوجد أيضاً نوعٌ واحد من السياح في دوبروفنيك. يمكنك إيجاد مسافرين ليوم واحد، وعائلات في إجازة، وأشخاص يمضون رحلات على متن سفن الرحلات البحرية، وهواة التاريخ، ومحبي الحفلات وأولئك السياح القاصدين فقط زيارة مواقع تصوير الأعمال السينمائية والدرامية في ظاهرة جديدة من نوعها.

وهؤلاء الأشخاص يجوبون العالم بحثاً عن المواقع الحقيقية التي صوَّر بها عالمهم الخيالي المفضل. في السنوات الأخيرة، لم يكن هناك أماكن أكثر استدراجاً من تلك التي استخدمت كمواقع تصوير الممالك السبع في مسلسل Game of Thrones.

غير أنهم يطرحون أسئلة صادمة أحياناً

في عام 2015 بدوبروفنيك، كان هناك أكثر من 300 جولة بالمدينة مرتبطة بالمسلسل. وفي 2017، كان هناك 4500 جولة. هذا العام، ارتفع هذا الرقم بنسبة 180%، وفقاً لمسؤولي السياحة.

كانت سيريف، التي قادت جولات تاريخية في المدينة قبل الطفرة التي أحدثها مسلسل Game of Thrones، مذهولةً دائماً من الأسئلة التي تُطرَّح عليها.

على سبيل المثال، لا يمكنها احتساب عدد الأشخاص الذين سألوها عن طول المدة التي احتاجتها شبكة HBO الأميركية التي أنتجت المسلسل لبناء جدران المدينة. وكانت تخبر معجبي المسلسل بأدب أن تلك الجدران تعود إلى القرن الثالث عشر.

وجعلت الأمر لزاماً أن لا تكتفي بإرشاد الناس إلى مواقع المشاهد الشهيرة في المسلسل –مثل خطوات «العار» حيث سارت الملكة سيرسي لينيستر، التي مثلت دورها لينا هيدي، عارية أمام حشد غاضب في الموسم الخامس– لكنها تقدم نظرة خاطفة لما يحدث خلف الستار، جولة مرحة وواعية عن ماهية الشعور الذي تملكه حين تعيش في مكان تحول إلى موقع تصوير.

وممثلة تطالب باستبدال الفتيات الكرواتيات الجميلات بفتيات أقبح

فيما تبادل الركاب على متن سفينة كاراكا –سفينة خشبية جرى ترميمها في عملية شاقٍة للاستخدام في المسلسل- الأدوار لارتداء ملابس شخصياتهم المفضلة بينما يبحرون حول المدينة، شرحت سيريف كيف طلبت إحدى الممثلات «استبدال كل الفتيات الكرواتيات الجميلات بفتيات أقبح»، حتى لا يتفوقن عليها.

وأشارت بشكل متكرر إلى المبالغ الهائلة من المال المهولة التي أُنفقت لتصوير ما يمكن أن يكون في نهاية المطاف لقطة من دقيقة أو اثنتين. كما نقلت المناقشة من مسلسل HBO إلى التعجب من الطريقة التي أنفق بها طاقم عمل الجزء الأخير من فيلم Star Wars نحو 10 ملايين دولار لتصوير مشهد في دوبروفنيك مدته 15 ثانية على الشاشة.

العلاقة مع هوليوود معقدة لكن جيدة

لاحقاً، بعد انتهاء الجولة، وصفت سيريف علاقة المدينة بهوليوود كعلاقة معقدة لكن جيدة. وأثنت على شركة HBO بسبب الاحترام الذي أظهره طاقم العمل للأشخاص وللمدينة.

وأشارت إلى أنه على مدار 6 سنوات، قدم المسلسل دفعة في عدد السياح خلال الشتاء كانت المدينة تحتاجها حين اختفت الحشود.

لكن بينما مثلت شوارع المدينة الخالية في الشتاء مشاكل لمسؤولي المدينة، فالتكدس بالصيف هو الذي يُشكِّل مشكلة حالية وملحة، حيث تُمثل عمل السفن البحرية مصدر الكثير من الإحباط.

وهذا الوضع يذكرنا باليوم الذي كادت تنهار فيه هذه المدينة

بعد فوزه بالانتخابات في يونيو 2017، اتخذ فرانكوفيتش، رئيس البلدية، على الفور خطوات لتقليل عدد ركاب الرحلات البحرية اليومية التي تُبحر إلى المدينة القديمة إلى 4 آلاف شخص يومياً بحلول الصيف القادم، أي نصف الثمانية آلاف الذين أوصت بهم منظمة اليونسكو، وهو هبوط كبير عن رقم 10 آلاف الذي يظهر كمتوسط عدد الزائرين يومياً في يوليو/تموز الماضي 2018.

وبينما كان فرانكوفيتش يجلس في مكتبه بالمدينة القديمة، تذكر الوقت الذي بدت فيه دوبروفنيك على وشك الانهيار، بينما هي الآن أصبحت منطقة جذب للسياحة العالمية.

خلال حروب البلقان كانت كرواتيا ساحة معركة في وقتٍ مبكرٍ من سعيها للاستقلال عن يوغوسلافيا، وفي عام 1991 كانت دوبروفنيك محاصرة من الجيش اليوغوسلافي الذي يهيمن عليه الصرب.

وعلى مدار شهور، كان السكان الذين لم يفروا مضطرون للبحث عن الحماية من القصف المدفعي المستمر الذي تعرضت المدينة القديمة. دُمر أكثر من نصف المباني ومات مئات الأشخاص.

والمشكلة أن هذا الازدهار لم يكن له مخططاً له

وقال رئيس البلدية: «لم تبدأ السياحة في الانتعاش مرة أخرى حتى عام 1997. وفي عام 2000، بدأت سفن الرحلات البحرية في الوصول، واستمرت الأعداد في الزيادة منذ ذلك الحين».

وأضاف: «المشكلة الأساسية هي أن السياحة لم تسِر وفق عملية تخضع للإدارة. لقد حدثت هكذا».

بعد توليه المنصب، بعث عمدة دوبروفنيك برسالة إلى الرابطة الدولية لمشغلي سفن الرحلات البحرية، التي تُمثَّل 60 خط تشغيل، بما في ذلك شركة Carnival، وRoyal Caribbean، معبراً فيها عن ضرورة خفض عدد السفن التي ترسو في آن واحد بميناء المدينة. وقال إن تسيير رحلات السفن البحرية يحتاج وقت لضبط الجداول الزمنية، لكن بحلول الصيف المقبل يمكن للمدينة توقع رؤية اختلاف هائل في عدد الزوار الذين يجوبون شوارعها.

والآن جاءت أزمة سائقي التاكسي

لكن مع كل مشكلة يحاول المسؤولون حلها، تظهر واحدة جديدة. على سبيل المثال، بمجرد أن أحرزت دوبروفنيك تقدماً في محاربة التكدس الذي تسببه الرحلات البحرية، حرر المشرعون في كرواتيا قوانين سيارات الأجرة، وارتفع عدد سائقي شركة أوبر، خاصة على طول الساحل الخلاب في المدينة.

والعام الماضي كان هناك 250 سائق أجرة في دوبروفنيك. وهذا الصيف، ووفقاً لعمدة المدينة، هناك أكثر من 1200 سائق. تعجز الطرق ببساطة عن تحمل حركة المرور تلك.

والحل لا يجب أن يقتصر على المنع فهناك حاجة لمزيد من التطوير

بالنسبة لأصحاب الأعمال التجارية المحليين مثل جردا ميتكوفيك التي تدير حانة Malvasija Wine في المدينة القديمة، فإلى جانب الجهود الرامية إلى الحد من أعداد السياح، يمكن للمسؤولين تقديم المزيد من الدعم لتحسين مستوى المنتجات المحلية.

في حين لا توجد سلاسل محلات مثل ماكدونالدز أو مترو أنفاق في المدينة القديمة، لا تزال المتاجر التي تبيع الحليّ والقمصان الرخيصة تهيمن على الشوارع.

وتقدم ميتكوفيك نبيذاً يصنع من عنب المزرعة التي يمتلكها والدها بوزو ميتكوفيك. كما تنتج زيت الزيتون الخاص بها.

بين حشود الصيف الصاخبة، تبدو حانتها كملجأ. قالت عن مدينتها الأم: «إنَّها مكانٌ مميزٌ»، ذلك المكان الذين يجب على زوّاره أن يأخذوا منه ذكريات ستدوم أكثر من عمر أي قميص يبتاعونه.

اقتراح تصحيح

إغلاق