العروس

بلال بن رباح -رضي الله عنه-

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن الحمد لله نحمده ….

يقول الله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (الأحزاب: 23)

من هؤلاء الصادقين، الصحابيِ الجليل بلالِ بن رباح، رضي الله عنه، كان عبدا في بداية حياته ثم دخل في الإسلام، ولما جهر رسول الله بالدعوة بدء

كفار قريش بتعذيب المسلمين لِيَرُدُّوهم عن دينهم، مارس كفار قريشٍ أشكالاً من البطش والتعذيب ليتنازل المسلمون عن مبادئهم: فمنهم من وضع
الجمرُ المحترق على ظهره فما أطفأ حرَ الجمرِ إلا شحمُ ظهره كخباب بن الأرت ومنهم من جلد بالسياط كآل ياسر. أما بلالٌ فقد وضع في الصحراء المحرقة و الصخر على صدره وكلما طلبوا منه أن يتنازل ما كان منه إلا أن قال: أحد أحد. يقول أحد الصحابة واصفاََ صبر بلال: ما منا من أحد إلا وطاوعهم على شيء مما يريدون من شدة التعذيب إلا بلالا فقد هانت عليه نفسه في سبيل الله!! تُرى ما الذي جعل بلالاً وأصحابَ رسول الله يواجهون التعذيب ولا يتنازلون؟! العبيد والسادة من كفار قريش حاروا في فهم سلوك بلال، لماذا لا يتنازل عن مبادئه وينعم بأكل وشرب في ظل العبودية لأمية؟ لكن بلالاً ذاق حلاوة الإيمان وشعر بإنسانيته حين أعلن إسلامه حتى هان عليه أكله وشربه ورأى أن الحياة لغايةٍ أسمى من التصفيق للطغيان، وأنه قد تطول الأعمارُ لا مجد فيها ويضم الأمجادَ يوم قصير، لقد عرف بلالٌ بعد أن نوَّر الإسلامُ قلبَه حلاوة أن يكون الإنسان قائدًا لا تابعاً، قائدًا لإرادته صانعًا لقراره حين حرر ذاته من الخوف والخنوع، فتحدى سياطهم وتعذيبهم، ليعلن ميلاد حرية الإنسان وأننا لسنا عبيداً لأحد إلا لمولانا الصمد، وكأن لسان حاله: يقول:
الناس إنسانان: من همه أن يرتوي ذلاً وان يلعبا
وآخر تأبي عليه الحجى إلا بأن يشقى وأن يتعبا
ما قيمة الألقاب منصوبة والظهر بالخزي احدودبا
إن الأطفال الصغار يفرحون للدمى الصغيرة، وكلما كبر الإنسان كبر اهتمامه، فالكبير لا يُضيع وقتَه في ألعاب الصغار، ويرى ذلك من العبث، وكذا، كان بلالٌ يرى أن من يقضي حياته بعيداً عن رب العالمين، عابث أهدر حياته في غير ما ينفع، وظلم نفسه في عبودية البشر كان جهدُ بلالٍ محل تقدير من عباد الله المؤمنين ومن رب العالمين فحين أسري برسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، ثم عرج به إلى السماوات، وشهد بعض مشاهد الجنة كان فيما عرض عليه من أمور الجنة أنه سمع صوت أقدامِ بلال في الجنة، فلما نزل سأل بلالاً ما العبادة التي تتفوق بها على المسلمين حتى خصك الله بما خصك؟ فقال إني ما توضأت وضوء إلا وصليت

(1/68)

——————————————————————————–

لله ما شاء الله أن أصلي” (1) هذا القلب المشتاق إلى مولاه كلما توضأ ووجد نفسه مهيأً للصلاة شرع في صلاة ومناجاة الله هذا التعلق بالله هو الذي أعطى بلالاً القوة والقدرة على تحدي كفار مكة. ولما دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة فاتحا أمر بلالاً أن يصعد ويؤذن فوق الكعبة تقديراً لجهاده وتضحياته وإعلانًا لمكانته في الإسلام، فهذا البطل الذي قدم التضحيات ليُعِزَ الإسلام أعزه الله بالإسلام ليصعد على أقدس بقعة في مكة ويعلن أجمل نداء في سمائها الله أكبر الله أكبر، هذا الصحابي الذي كان قبل سنوات يلقى السياطَ وهتافه أحد، أحد هاهو اليوم يصعد الكعبة ليعطر أجواء مكة بشهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله.
إيهٍ يا بلال!! قبيل سنواتٍ، قبيل سنوات كنت تردد أحد أحد تحت السياط ولا تلين وكانت (جروح جسمك وهو تحت سياطهم قسمات فجر يتقيه الجاني) واليوم هاهو فجر الإسلام في مكة يظهر، والفجرُ أنت مؤذنه، والفجر أنت من صناعه.
إيهٍ يا سيدي يا بلالُ الحبشي ها هي جهودك تثمر، والبذورُ التي بذرتها في صحراء مكة تنبت، والدينُ قدمتَ من أجله الغالي أعزك الله به ورفع قدرك: وصدق الله العظيمُ إذ يقول:”هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ”الرحمن:60
ولما توفي رسول الله خرج بلالٌ ليؤذن فلما وصل عند قوله: وأن محمداً رسول الله غلبه البكاء إذ تذكر كيف كان يؤذن وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حياً بينهم، إمامهم في صلاتهم يسلمون في صلاتهم عليه دعاءً، ثم يسلمون بعد الصلاة عليه حين تلامس يدُه الشريفة أيدهم ويجلسون إليه، يتلقون أنواره، ويأنسون يقربه، واليومَ يؤذن بلالٌ ورسولُ الله مسجىً أمامه فلم يكمل بلال أذانه؛ إذ غلبه البكاء ولم يؤذن لأحدٍ بعد رسول الله، وأراد الجهاد فأراد أبو بكرٍ منعه فقال: إن كنت أعتقتني لله فخلِ سبيلي، فكان بالشام مقيماً
{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين} (القصص:5)، {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين} (القصص:5)،ثم إن بلالا رأى النبي – صلى الله عليه وسلم – في منامه وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني فانتبه حزيناً وركب راحلته وقصد المدينة يسبق الخطو الضمائر وخفقات قلبه تنبض بحب نبيه والشوق للقاء الحبيب – صلى الله عليه وسلم -، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه
__________
(1) -رواه مسلم في صحيحه بلفظ ” قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْفَعَةً فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ قَالَ بِلَالٌ مَا عَمِلْتُ عَمَلًا فِي الْإِسْلَامِ أَرْجَى عِنْدِي مَنْفَعَةً مِنْ أَنِّي لَا أَتَطَهَّرُ طُهُورًا تَامًّا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي أَنْ أُصَلِّيَ”.كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل بلال برقم (4497)

(1/69)

——————————————————————————–

وكأن حال بلالٍ يصدق فيه قول الشاعر:
دخلتُ، وقلبي قد طار مني! ولكنه عاد لما دخلتُ
دخلتُ الرحابَ وأسلمتُ نفسي إلى تلفِ الوجْدِ حتى سَلِمْتُ
وكان المقامُ العظيمُ العظيمُ عليه ُيخيمُ نورٌُ وصمتُ
فَطَوفَ بي من جلالِ الرسولِ ذهولٌ فهمتُ، وهمتُ، همتُ
شعرتُ بأن السمواتِ أرضي وأني عليها بروحي سجدتُ (1)
أقبل الحسنُ والحسين على بلال وهو عند مقام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يبكي فجعل يضمهما ويُقبِلُهُما، فقالا له:” يا بلال! نشتهي أن نسمع أذانك “ففعل وعلا السطحَ ووقف، فلما أن قال: الله أكبر الله أكبر، ارتجت المدينة فلما أن قال أشهد أن لا إله ألا الله ازدادت رجتها، فلما قال أشهد أن محمدا رسول الله خرجت العواتق من خدورهن وقالوا: بُعِث رسول الله فما رؤى يوماً أكثرَ باكيا ولا باكيةُ بالمدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم (2) … وأذن بلال ٌمرة اخرى عند فتح بيت المقدس في عهد عمر بن الخطاب إدراكا لمكانة القدس وعظمتها رحم الله بلالا وصحابة رسول الله وأعاد للأقصى جلال أذان الفاتحين. …
لقد أدرك أصحاب رسول مكانة بلالٍ فلما كان عمر خليفة استأذن للدخول عليه بلالٌ وأبو سفيان فأمر بإدخال بلال وتأخير أبي سفيان، وكان معاوية عند عمر فلما دخل أبو سفيان دخل غاضبا لتقديم بلال عليه فقال معاوية لأبيه كأنه قد ورم أنفك، أي غضبت، أن قُدَّمَ بلالٌ وأُخِّرتّ؟ قال: نعم. قال: يا أبت إنما قدم بلال بالإسلام والقرآن، وإن قدمت أنت فتقدم بأمية، وعبد شمس، أترضى أن يقدم أمية وعبد شمس على الإسلام والقرآن. قال أبو سفيان: لا أرضى، ولئن رأيتُ بلالا لأُقدمنه. هذا هو الإسلام العظيمُ يُقدِّر المرءَ بما قدَّمَ فيتقدمُ بلالٌ ويتأخرُ سيدٌ من سادات مكة
لما احتضر بلالٌ رضي الله عنه نادت امرأته: و احزاناه! فقال: واطرباه! غدا ألقى الأحبة محمدا و حزبه (3) “.
قال ابن الجوزي في اللطائف “انقسم القوم عند الموت، فبعضهم صابر الخوف حتى انقضى نحبه. “كعمر” كان يقول عند الرحيل: الويل لعمر إن لم يُغفر له.
__________
(1) من شعر عمر الأميري: نجاوى محمدية
(2) (الذهبي أعلام النبلاء بتصرف ج: 1 ص: 358) قال الذهبي إسناده لين
(3) القاضي عياض الشفا … [جزء 2 – صفحة 19]

منقول ياحلوات والمصدر:vb.3dlat.com وجميع الصورة الاصلية محفوظة لاصحابها الاصليين

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق